٢٠١١/٠٣/١٢

الثورة والأيكيدو السياسي - الجزء الأول

لي صديق ضئيل الجسد أخبرني يوما أنه بصدد الإشتراك في فريق الأيكيدو في النادي، وحينها سألته، كيف لك أن تشارك في لعبة قتالية كهذه وبالتأكيد لن تصمد في وجه من هم أقوى و أضخم منك؟ لكنه أجابني بأن لعبة الأيكيدو بالذات تتميز بأنها تعطيك القدرة على إستغلال قوة و إندفاع خصمك ضده هو شخصيا. ثم أخذ في تبسيط الموضوع لي حتى أفهمه، فقال لي تصور أن شخصا يدفعك لكي يطرحك أرضا، عادة تحاول أنت في المقابل التماسك و دفعه في الإتجاه المعاكس، لكن ماذا لو فكرت حينها بدلا من ذلك أن تجذبه هو في الإتجاه الذي يدفك تجاهه حينها وبقوة مما يؤدي إلى سقوطة على وجهه؟ ألا ترى أنه بدلا من أن تضع قوتك مقابل قوته، وهو الأشد قوة حينها، أليس من الأجدي و الأذكي أن تضع قوته و إندفاعه في نفس الكفة مع قوتك أنت و تجعل المحصلة كلها ضده؟

Political Aikido

هذا الإسلوب بالضبط هو ما حاول النظام فعله أثناء الثورة في مقابل قوة الشارع لكنه فشل والحمد لله

فعندما طالب المتظاهرون برحيل مبارك، كان من البديهي أن يقول لهم الإعلاميين أصدقاء النظام أن مبارك هو أمل مصر وهلم جرا، لكن وجود الملايين في الشارع أجبرهم على اللجوء إلى الأيكيدو السياسي، خاصة مع ضئالة حجتهم أمام قوة الملايين، ولذلك تحولت إستراتيجيتهم من تمجيد مبارك ورفض مطالب المتظاهرين، إلى القول بأن مطالب الثوار مشروعة، لكن طالما مبارك كده كده ماشي، فإيه يعني نسيبه الكام شهر الفاضلين دول، فمبارك زفت و طين، لكن معلش نستحملة الفترة ديه بس عشان خاطر مصر وإستقرارها مش أكتر

أيضا من المعتاد في مثل هذه الظروف أن يتم إتهام المعارضين كلهم بالخيانة والعمل لمصلحة الغرب وإسرائل، لكن مرة أخرى وجود الملايين في الشارع جعل من يصرح بإتهام كهذا عرضة لأن يُنظر له كأنه أهبل أو منافق شديد النفاق، صحيح هناك من فضل فعلا إتهام الثوار كلهم، لكن الأغلبية الأكثر ذكاء لجآت للأيكيدو السياسي، فبدلا من إتهام الكل كانت الكلمة السحرية هي الحل، الشباب في ميدان التحرير هم أنبل و أطهر من أنجبتهم مصر، وكلنا نتشرف بهم، لكن هناك قلة قليلة جدا تحاول إستغلالهم لأهداف شريرة، وإن كنا نقدر الشباب الطاهر فعلا، لكننا نرجو منهم عدم إعطاء الفرصة لتلك القلة ذات الأجندات، وبالتالي نرجوهم أن يعودوا لمانزلهم لقطع الطريق على هؤلاء الأشرار و مطالب الثوار قد وصلت فعلا و سنعمل على تحقيقها بالتأكيد

والأيكيدو السياسي تجلى أيضا حين فضل طبالي النظام بدلا من المناداة بمنع الناس من الذهاب لميدان التحرير، فضلوا صياغة عبارة غاية في الإستهبال، أديكوا عرفتوا سكة ميدان التحرير، إرجعوا بيتكوا دلوقتي و شوفوا إيه إل حايحصل، ولو ماتححقتش مطالبكم، الميدان مش بعيد. بمعنى أصح فإنهم قالوا لهم أننا لسنا ضد ذهابكم للتظاهر في التحرير، لكننا فقط ندعوكم للإستراحة قليلا و أدي الجمل و أدي الميدان. طبعا من قال هذه العبارات تعمد تجاهل ألاف المصابين و مئات الشهداء الذين سقطوا، ومطالبة الثوار بالعودة أدراجهم والبدأ من جديد بعد فترة لا يعني سوى الدعوى للعودة للمربع صفر مرة أخرى و إسقاط شهداء جدد مرة تلو الأخرى

الطريف في الأمر أن أرباب الأيكيدو السياسي لم يختفوا مع إختفاء مبارك، فنفس الأساليب كان يمكنك بسهولة تتبعها أثناء دفاعهم عن بقاء أحمد شفيق، و سيستمر الأيكيدو مع كل عطفة و ملف جديد في طريقنا بإتجاه الحرية

في النهاية، بالتأكيد أنا لم أقل شيئا جديدا هنا، و أعتقد أن أغلب من يقرأ هذا المقال يعرف هذا الكلام أفضل مني، لكنني وضعته هنا كمقدمة لمقال جديد قد أكتبة بعد قليل لما يمكن أن يكون إستنساخ لهذا الأيكيدو مرة أخرى، و يشترك فيه الناس، بعضهم وهو مدرك له، والأغلب يفعلونه دون وعي

ليست هناك تعليقات: