٢٠٠٦/٠٨/١٠

سياسة الطوائف و طوائف السياسة

لم يكن الموقف السياسي المشترك ضد إسرائيل وأميركا كافياً، لجمع إسلاميين كُثر يفصل بينهم خلاف مذهبي عميق مع "حزب الله". لقد دخل الخلاف المذهبي (السنّي- الشيعي خصوصاً) بشكل مؤثر للمرة الأولى على خط العلاقات بين الاتجاهات والحركات الإسلامية اتفاقاً واختلافاً، تعاوناً وصراعاً، وأصبح أحد أهم محددات العلاقات بين الإسلاميين على امتداد العالم الإسلامي. ويظهر ذلك لدى قراءة مواقف الاتجاهات الثلاثة الرئيسة المكونة لخريطة الإسلاميين السّنة اليوم، وهي تيار الإسلام السياسي وفي القلب منه "الإخوان"، والتيار السلفي الجهادي الذي تقوده "القاعدة"، والتيار السلفي التقليدي الذي ما زال الأكبر والأوسع انتشاراً على امتداد العالم الإسلامي. فكان تيار الإسلام السياسي، وحركته الأهم (الإخوان)، هو الذي اتخذت قيادته في مصر ومعظم تنظيماته خارجها، أقوى موقف مساند لـ"حزب الله" بين هذه التيارات، بينما انقسم علماء وجماعات التيار السلفي التقليدي بين من أعادوا تأكيد عدائهم لـ"حزب الله" ومن رأوا أن مساندته واجبة رغم رفض منطلقاته. لقد هاجم قطاع من التيار السلفي التقليدي "حزب الله" بشكل صريح، واتهمه بأنه يعمل من أجل إيران وليس لوجه الله والوطن، ودفع بتحريم مساندته مع الدعوة في الوقت نفسه، إلى الدفاع عن لبنان والتصدي للعدوان الإسرائيلي الإجرامي. أما البعض الآخر في التيار السلفي التقليدي فقد آثر الصمت، لأن منطلقاته العقيدية لا تسمح له بمساندة حزب يعتبره جزءاً من طائفة يراها "مارقة"، في الوقت الذي لا يرغب في مهاجمته وهو يخوض معركة باسلة في مواجهة إسرائيل. التيار الثالث، وهو السلفية الجهادية مثلاً في قيادة شبكة "القاعدة"، وجد حلاً آخر لهذه المشكلة في التعامل مع "حزب الله" وسط هذه المعركة، فهو لا يستطيع أن يلوذ بالصمت حتى لا يترك "حزب الله" وحده تحت الأضواء، ولا يريد أن يهاجمه، بينما لا يستطيع مساندته بشكل مباشر بسبب الخلاف المذهبي. فكان الحل عند الرجل الثاني في "القاعدة" د. أيمن الظواهري في ربط الحرب على لبنان بالحرب الأوسع بين الفسطاطين، مركزاً على (الجبهتين الجهاديتين في أفغانستان والعراق)، وداعياً إلى جهاد لتحرير كل أرض كانت دار إسلام من الأندلس إلى العراق. وعندئذ تكون معركة حسن نصر الله تفصيلة صغيرة جداً في حرب بن لادن والظواهري.
من مقالة للدكتور وحيد عبد المجيد بإسم الحركات الإسلامية... و"حزب الله"

فنحن خلال خمسين عاما من الصراع العربي الإسرائيلي لم يحدث أن يتم الهجوم على الطرف المقاوم العربي كما هو حاصل الآن. فمن الملفت أن القوى الفلسطينية أضعف بكثير من حزب الله و لا تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها مثلة لكن رغم ذلك كانت مجمل أعمالها التي من المكن أن تفسر على أنها أعمال متهورة تؤدى إلى إستفزاز الدولة العبرية و تؤدى في النهاية أن يقوم الجيش الإسرائيلي بقتل المئات من الفلسطينيين دون إلحاق ضرر يذكر بالعدو رغم ذلك لم يخرج علينا أبدا حينها من يحمل حماس أو فتح أو غيرهم مسؤلية الضحايا من الجانب الفلسطيني و يعلق دماء الضحايا في أعناقهم بدلا من أعناق القتلة الحقيقيين. لكن يبدو أن فى حالة حزب الله فإن الإختلافات الذهبية معه دفعت مثل هذه الأقلام أن تهاجم حزب الله حتى وإن ألبست هذا الهجوم رداء التعقل والحفاظ على الأرواح و ما إلى هنالك من حجج. و من المضحك أيضا أن هذه الأقلام كانت لا ترى مشكلة في قتل مئات الألاف من العراقيين مع سبق الإصرار دون إلحاق ضرر يذكر بالقوات الأمريكية هناك بدعوى ما مقاومة الإحتلال. فالذين يفجرون نفسهم وسط المدنيين في الأسواق العراقية و بين قوات الشرطة هناك ينتموا إلى التيار السلفي بشكل خاص و إلى المعسكر السني بشكل عام و هو كافي في ما يبدو أن يجعل الأقلام و النظم العربية المنتمية إلى تفس المعسكر أن تغض الطرف عنهم بل و تحملهم فوق الأعناق في كثير من الأحيان. المصيبة الآن أن ما كنا نخشاه قد حدث و قد نجحت بعض القوى الخارجية والداخلية أيضا - سواء من الجانب السني أو الشيعي - أن تصل بالأمة الإسلامية إلى هذه الحالة من الشقاق و الفرقة الطائفية و هو ما يجب أن يتم تداركة في أقرب وقت ممكن. فتكفير الجانبين لبعضهم البعض أصبح أمرا مألوفا و للأسف فإن العلماء لم يحاولوا علاج ذلك الخلل. العجيب في الأمر أن السنة لا تكفر الشيعة في الأصل و الشيعة أيضا لا تكفر السنة و هناك الكثير الكثير من الفتاوى لعلماء معتبرين من الجانبين عبر التاريخ تؤكد ذلك. لكن بعض التيارات التي ظهرت حديثا نوعا ما هي من تبنت هذ الفكر و للأسف فإنها نجحت في الإنتشار في الشارع العربي بقوة. حتى أن هؤلاء الذين لا ينتمون إليها قد يتأثروا ببعض أفكارها بنسب متفاوتة.

ليست هناك تعليقات: