٢٠١٢/٠٤/٢٦

السلفية، نقاء أم جمود؟



 شاهدت بالأمس القريب الشيخ ياسر البرهامي في أحد البرامج الحوارية، والمحاور كان يمحور أسئلته حول نقطة واحدة وهي، ما هو الذي يميز الفكر أو المذهب السلفي عن غيره من المذاهب الإسلامية، المهم هو أن رد البرهامي كان كالتالي، سأسرد معنى ما قاله لأنني بالطبع لا أتذكر كلامه بالنص، لكنني أحاول إيصال المعني بدقة قدر المستطاع.

المذهب السلفي يحاول الإلتزام بمنهج الرسول والصحابة دون أي إضافات، فهو الإسلام الصافي النقي، فحتى علوما كالفلسفة وعلم الكلام التي جائت إلينا من الخارج نحاول تنقية الإسلام منها ومن تأثيرها عليه ليظل فكرا نقيا.

أنا هنا لن أخوض في مدى إلتزام السلفيين بالتعريف السابق وهل هم فعلا ملتزمون بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقولون أم لا، فهذا ليس موضوعي الآن، لكن ما يعنيني الآن هو أنه حتى لو صدق إلتزامهم بذلك التعريف فهو في حد ذاته مشكلة. فلا أحد منا ينكر أهمية إلتزام المسلم بالقرآن والسنة النبوية الشريفة كمرجعية، لكن أيضا كلنا ندرك أنه لكي تفهم القرآن جيدا يجب عليك أن تجيد اللغة العربية وعلوم النحو والصرف والبلاغة. وبالتالي فالنفور من أي علوم دنيوية بدعوى أنها تلوث المنهج الإسلامي النقي هي دعوة غير صحيحة، فكم من مفسر للقرآن يلجأ لنصوص الشعر الجاهلي وغيره لتفسير معني أية أو للإستدلال به على المقصود من مجاز أو تشبيه في تلك الآية.


قس على ذلك علوما أخرى كالفلسفة والمنطق التي يتنصل منها البرهامي، فهي في الأخر إفرازات للحضارة الإنسانية ويجب إعتبارها روافد تساعد على فهم أعمق للدين والعقيدة.

وهو ما يأخذنا لنقطة أخرى خلافية بيننا وبين السلفيين، فأنا أرى أن الدين دوره تقويم المنظومة الإخلاقية للبشر وليس خلقها من العدم، فالأخلاق ليست حكرا على دين دون غيره، و بالتالي يجب ألا نضرب بما تحرزه البشرية من تطور في العلوم الإنسانية بما فيها الأخلاق عرض الحائط بدعوى أنها غير نابعة من نصوصنا الدينية، بل بالعكس فالأجدر بنا إستدخدام كلا الرافدين والتوفيق بينهما.

لكنني في النهاية ألتمس العذر للبرهامي وغيره من السلفيين، فالفكر السلفي أو الوهابي قد نشأ في ظروف بدوية في صحراء نجد، أي في مجتمع منغلق لم يعتد على الإختلاط بالحضارات المختلفة والتأثر بها والتأثير فيها، وبالتالي فغلب على الفكر جمود ما يختلف عن حالة مثل التي في مصر مثلا التى ظلت عبر تاريخها على إتصال بمختلف الحضارات، و هي ظروف مختلفة حتى عن الحجاز التى كانت مقصد الحجاج والتجار بمختلف مشاربهم وثقافاتهم حتى قبل الإسلام، وبالتالى فظل علماء المسلمين طوال تاريخهم لا يجدون غضاضة في الإستعانة بكل ما يصل لهم من علوم من أجل تفسير النصوص السماوية وإستنباط الأحكام الجديدة.

وفي النهاية أنا لا أقول أن التشريعات الإلهية والنصوص النبوية عرضة للتغيير، وأن بها نقصان أو قصور - معاذ الله - لكن النقصان والقصور هو في فهمنا وفهم من سبقنا، بما فيهم الكثير من الصحابة الذين هم ليسوا بمعصومين بالمناسبة، وبالتالي فكما أن أول ما جاء في القرآن هو الآمر الإلهي بالقرآة، فإننا في رأيي مطالبون برأب الصدع في فهمنا لتلك النصوص بتعلم كل ما يصلنا من علوم حتى لو كانت علوما قدمها لنا غير المسلمين من فلسفة ومنطق ورياضيات وفلك وتاريخ وحتى من منظومة أخلاقية تساهم البشرية بجميع أديانها وعقائدها في صياغتها وتشكيلها عبر العصور.

هناك تعليقان (٢):

Ahmed Newton يقول...

فى اعتقادى حين اجتمعت الفلسفة مع الدين نتج تفسيرات رائعة للدين لا يمكن ان يرفضها عاقل وخير مثال الامام محمد عبده وحين اصبحت الفلسفة كفر نتج تفسيرات تؤدى الى الكفر الحقيقى

صحة أون لاين يقول...

مدونة رائعة